الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

نفحات القرآن

يستفاد من كلمات بعض أرباب اللغة أنّ « الذكر » لا يعني العلم والمعرفة ، بل يعني « إعادة الإطّلاع على الشيء » ، يقول الراغب في مفرداته بعد مقارنته بين « الذكر » و « الحفظ » : « التفاوت بينهما هو أنّ الحفظ يقال اعتباراً بالإحراز ، والذكر يقال اعتباراً بالإستحضار » ، ثمّ يضيف قائلًا : الذكر ضربان : ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ . وهذا التعبير يبيّن أنّ الذكر هو في كلّ الأحوال نوع من الالتفات المستأنف للشيء الذي كان ساكناً في الذهن سابقاً ، سواء كان بعد النسيان أم لا ، وقد ورد « الذِكر » بمعنيين أيضاً في « مقاييس اللغة » : الأوّل إشارة إلى الجنس المذكّر في قبال الجنس المؤنث ، والثاني ما يقابل النسيان . إنّ هذه التعابير القرآنية يمكنها أن تكون إشارة إلى ما ذكر أعلاه ، وهو أنّ الإنسان يدرك سلسلة من الحقائق عن طريق العقل ، كما ويحصل على القسم الأعظم من ( ما ينبغي ) و ( ما لا ينبغي ) الذي يعدّ من المستقلّات العقلية كحسن أنواع الإحسان وقبح أنواع الظلم والفساد ، لكنّ الشكّ والترديد يراود هذه البديهيات أحياناً بسبب وساوس الشياطين . وهنا يأتي دور الأنبياء عليهم السلام لمساعدة الناس وتأييد هذه الإدراكات العقلية ، إذ يبطلون مفعول هذه الوساوس ، أو بعبارة أخرى يعيدون هذه الأمور إلى الأذهان . بعض الفلاسفة كأفلاطون وأتباعه يعتبرون العلوم الإنسانية ضرباً من الذكريات ، ويعتقدون بأنّ الروح الإنسانية قبل نزولها إلى هذا العالم كانت تدرك كلّ هذه الحقائق ولكن حجب عالم المادّة تسبّبت في نسيانها « 1 » وبناءً على هذا فالتعلّم والتعليم سواء أكان عن طريق الأنبياء والرسل عليهم السلام أم عن طريق التجربة وشرح الأستاذ لا تخرج عن كونها ضرباً من التذكّر والتذكير ليس إلّا . ومن البديهي عدم وجود دليل واضح يدعم هذا الإدّعاء بهذه السعة ، بل الصحيح هو ما تقدّم أعلاه من أنّ قسماً من معلومات الإنسان تحصل عن طريق الفطرة أو العقل ، وأحياناً

--> ( 1 ) لمزيد من الإطّلاع راجع « سير حكمت در اروپا » ج 1 ص 23 ، مبحث فلسفة أفلاطون ( بالفارسية ) .